الشيخ محمد علي طه الدرة

373

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

توبتها كما أخر فرعون إيمانه وتوبته إلى أن حل به العذاب ، فلم ينفعه إيمانه ، وأداة التحضيض معناها النفي ، أي : لم يقع ذلك في غابر الزمن . إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ أي : فهؤلاء نفعهم الإيمان عند مشاهدة العذاب ، وهو ما أفاده قوله تعالى : لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا . . . إلخ ، فهم مستثنون من حكم عام ، واللّه أعلم بمراده ، وأسرار كتابه . الْخِزْيِ : أي : المذل المخزي . وَمَتَّعْناهُمْ : تركناهم يتمتعون في هذه الدنيا ويتلذذون فيها إلى انقضاء آجالهم التي قدرها لهم العزيز الحكيم . تنبيه : ذكر يونس عليه السّلام باسمه في القرآن الكريم أربع مرات في سورة ( النساء ) الآية [ 163 ] والأنعام الآية رقم [ 86 ] وما نحن بصدد شرحها ، وفي سورة ( الصافات ) الآية رقم [ 139 ] وما بعدها ، وذكر بوصفه في سورة ( الأنبياء ) في قوله تعالى : وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً . . . إلخ الآية رقم [ 87 ] وذكر بوصفه أيضا في سورة ( القلم ) ، في قوله تعالى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ ولم يعلم من نسبه في كتب التفسير والحديث إلا أنه ( يونس بن متى ) ويقول أهل الكتاب : إنه يونان بن أمتاي ، والظاهر من أمره : أنه من بني إسرائيل ، ويوجد ببلد اسمه : حلحول ، وبقرب مدينة الخليل بفلسطين قبر يقال : إنه قبر يونس ، وبمكان غير بعيد عنه قبر آخر ، يقال : إنه قبر متى . انتهى . من قصص الأنبياء للمرحوم عبد الوهاب النجار ، وسترى مزيدا لذلك في سورة ( الأنبياء ) والصافات إن شاء اللّه تعالى . هذا ؛ ونون يونس فيها ثلاث لغات ، وانظر ما ذكرته مزيدا على ذلك في الآية [ 4 ] من سورة ( يوسف ) . أما قصة يونس مع قومه ، فأسردها لك على ما ذكره عبد اللّه بن مسعود ، وسعيد بن جبير ، ووهب وغيرهم - رضي اللّه عنهم أجمعين - ، قالوا : إن قوم يونس - عليه السّلام - كانوا بقرية نينوى من أرض الموصل ، وكانوا أهل كفر وشرك ، فأرسل اللّه سبحانه وتعالى إليهم يونس - عليه السّلام - يدعوهم إلى الإيمان باللّه ، وترك عبادة الأصنام ، فدعاهم ، فأبوا عليه ، قيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ، فأخبرهم بذلك ، فقالوا : إنا لم نجرب عليه كذبا قط ، فانظروا فإن بات فيكم الليلة فليس بشيء ، وإن لم يبت فاعلموا : أن العذاب مصبحكم ، فلما كان جوف الليل خرج يونس من بين أظهرهم ، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب ، فكان فوق رؤوسهم ، قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : إن العذاب كان قد أهبط على قوم يونس - عليه السّلام - حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل ، فلمّا دعوا ؛ كشف اللّه عنهم ذلك ، وقال مقاتل : قدر ميل . وقال سعيد بن جبير : غشي قوم يونس العذاب كما يغشى الثوب القبر ، وقال وهب : غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ، فهبط حتى غشي مدينتهم ، واسودت أسطحتهم ،